DAC logo link

Recommendations

العلاقة الذهنية بين المكون الثقافي للمجتمع والتقانات الحديثة

العلاقة الذهنية بين المكون الثقافي للمجتمع والتقانات الحديثة

المؤتمر: 

المؤتمر الأول

تأليف: 

د. نوفل نوفل دكتوراه في أصول وفلسفة التربية

نوع الوثيقة: 

ورقة علمية

تعيش الإنسانية في الوقت الحاضر ، عصر الانجازات المذهلة ، والمرعبة بآن واحد . إنه عصر المعلومات ، عصر الاتصالات – عصر ثورة التقانات الحديثة ، إنه عصر العولمة ، وعصر التكتلات والتجمعات ، ومن ضمن مكونات المجتمع الإنساني هذا ، مجتمعنا العربي ، الذي لا يمكن له بأي أمر من الأمور ، أن يعيش منفصلا عن المؤثرات التي تحدث في المجتمع ، ومن أشد وأكبر هذه المؤثرات أثراً ظهور وتنوع هذه التقانات بمختلف مسمياتها التي تشكل جزءاً رئيسياً من حياة الإنسان بدءاً من الهاتف العادي على سبيل المثال إلى أرقى وسائل الاتصال التي تدعى بشبكة الانترنت . يضاف إلى ذلك طموح المجتمع في السعي إلى أكبر من ذلك ، والذي ندعوه بالمجتمع الافتراضي ، أو الحقيقة الافتراضية (Virtual Reality) ، والذي ظهر لأول مرة في عام 1989 واستطاع أن يدخل ويؤثر في مجالات التعليم والهندسة ، والطب ، والأحوال الجوية وعلاج الأمراض النفسية وغير ذلك .

إن العقلية ، والتي تعتبر أهم مكون ثقافي في سلوك المجتمع ، يجب أن تبني في ذاكرتها رؤية ذات أهداف حول ما تقوم البشرية بإنتاجه في مجال التقانة بمختلف أشكالها ، وأول أهداف هذه الرؤية الآنية والمستقبلية على حد سواء ، تسخير هذه التقانات كي تكون في خدمة الإنسان ، كل إنسان ، بالإضافة إلى ذلك أن تكون ذهنية هذا التخطيط والرؤية تتضمن الملامح الأساسية وصناعة المحتوى الرقمي ، والذي يطرح سؤالاً إلى أين سينتهي به المطاف ؟ وما المخرجات التي سيفرزها ، من حيث ظهورها وتأثيرها ؟

إن صناعة المحتوى الرقمي العالمي ، والذي تضمن فتح مجالات متعددة في استخداماته ، والتي لم تقتصر على عملية الاتصال بشكلها التقليدي المعهود ، بل ذهب الأمر إلى أبعد من ذلك بكثير ، بحيث ابتكرت طرائق متعددة ، ولم تترك مجالاً من مجالات الحياة إلا وأثرت فيه ، فيمكن لجهاز الكمبيوتر أن يوظف بشكل معين ومحدد حسب حاجة الناس ، فعلى سبيل المثال : فقد طورت إحدى الشركات الالكترونية ( ثلاجة ) ترسل رسالة الكترونية الى اقرب مركز لتموينها بالطعام الذي نفذ منها .

وهكذا بات علينا محتماً ، أن نشير إلى أن عصر المعلومات الذي نعيشه له ميزات ، ووفق هذه الميزات اكتسب هذا الاسم وبنظرة استقصائية ، كانت المعلومات سابقا ً تتضاعف كل 50 سنة ، أما الآن أصبحت تتضاعف كل سنتين وربما أقل من ذلك . ومنه فإن التقانة بحد ذاتها وسيلة ،وليست غاية ، إنها وسيلة للاستخدام الأمثل لها في زيادة تفتح العقل البشري للأخذ بها واعتبارها أحد الركائز والمقومات الأساسية لعملية الضبط الاجتماعي ، والحراك الاجتماعي .

بالنظر الى أشكال وأنواع التقانات الحديثة ، واستخداماتها ، نجد على رأس قمة هرمها تتربع شبكة الانترنت بكل ما تقوم به من وظائف ومهام في تقديم المعرف الإنسانية المتنوعة ، واختصار الزمن في الحصول عليها ، وكذلك تأمين احتياجات الإنسان ، عن طريق ما يتفرع من هذه الشبكة من مسميات مثل الويب وغير ذلك

إذاً ، أصبح للاتصال بكل جوانبه أهمية خاصة وكبيرة في هذه الأيام ، التي غدا فيها العالم ينكمش الى حين أصبح ( قرية صغيرة ) بالتعبير الذي بدأ تداوله ، ضمن مفهوم العولمة وتأثيراتها  . حيث ان أي حدث او أي طارئ ، يمكن رؤيته وسماعه مباشرة وكأننا نعيش في قلب الحدث ، وما يترك من أثر في نفوسنا ، والذي بدوره ينعكس على سلوكاتنا .

إن التقدم المذهل الذي طرأ في مجال استخدام شبكة الانترنت على المستوى العالمي ، لم تكن وتيرته في المجتمع العربي بحالة مقبولة ومساهمة لدرجة يقال أنه لنا مشاركة في هذا الميدان .

صناعة المحتوى الرقمي ، قبل كل شيء يجب أن تكون لها معايير وضوابط تبنى عليها ، لأن خطرها المستقبلي سيتعدى على كل جوانب حياة الإنسان وبخاصة الإنسان العربي ، الذي ما زال لديه بقية باقية من إرثه الحضاري في مجال القيم الاجتماعية التي تمل على ترسيخ مفهوم قيمة الإنسان واعتزازه بكرامته وإنسانيته

 

 

الحقيقة الافتراضية للمجتمع الإنساني :

بدأت تظهر عبارة الحقيقة الافتراضية ، أو هذا المصطلح ، الذي يشير الى محاكاة الحقيقة ، وتكون هنا بالتركيز على الحقيقة الواقعية ، عن طريق برامج مصممة بطريقة تسمح بإشراك حواس الإنسان فيما تعرض بالاعتماد على أجهزة خاصة يتم توفيرها للمستخدم حتى يتصل بجهاز الحاسب ويدخل في أجواء الحقيقة .

إن صناعة المحتوى الرقمي العربي ، أو توفيره ، ينبغي أن يكون واضح الأسس والأهداف ، حتى نستطيع توجيهه وفق خطط تنموية على جميع الصعد ، ثم الحفاظ على مقومات الشخصية العربية ، والتي هي في الواقع التقاء عدة نماذج من التحديدات البيولوجية ، النفسية ، الجنسية ، التاريخية ، الثقافية ، والتي لم تبقى أسيرة تأثير الأسرة والمجتمع ، بل أصبحت شبكة الاتصالات ، والانترنت ومستقبله ، له الدور الحاسم ، حيث أنه سحب البساط ، ووقف منتصبا في تبني الدور الأهم في عملية التأثير .

مدخل لمفهوم المجتمع الرقمي وتعريفه :

يمر المجتمع العربي في الوقت الحاضر مرحلة مخاض عسيرة ، يصعب التنبىء، بما سيلد ، حيث أن هذه المرحلة مثقلة بأنواع شتى من المشاكل والتحديات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ، وهي في مجملها تستطع أن تواكب معطيات العصر الراهن . والعقبة الأخطر والأكبر التي تقف في وجه مواكبة هذا التطور هو الافتقاد إلى كثير من العوامل والعناصر القومية العالية الكفاءة التي تستطيع أن تقوم بمهام التغيير وشؤونه .

والمجتمع العربي بمختلف أقطاره وإن اختلفت النسب فإنه يواجه مشكلتين أساسيتين لهما علاقة بمعطيات واستخدام ونتائج التقانات الحديثة وهما :

تردي الواقع التعليمي بشكله الصحيح في الوطن العربي - وضعف استيعاب أبناء الوطن العربي لتقانات المعلومات في مختلف جوانب حياة المجتمع .

إن استخدام تقانة المعلومات لم تقتصر على جانب واحد من جوانب الحياة بل تعداها إلى الاقتصاد والتعليم والسياسة والفن والدين والإعلام والإعلان والفضاء والصناعة والتجارة والزراعة وغيرها من أمور الحياة بمختلف جوانبها وتشعباتها. ومن هذا المنطلق نؤكد على أن المطلوب ليس انتشار الحاسبات وغيرها ، التأكيد على التحول إلى المجتمع الرقمي العربي . وعليه فإن أي استفادة مهما بلغت من الضخامة في مجالات الإنتاج الوطنية والقومية مثل النفط والتجارة والزراعة وغير ذلك يبقى ضئيلا ً إذا ما قيس بالمجتمعات التي أولت المجالات التقانية الأهمية الكبرى في مجالات الاستثمار الوطني .

إن التركيز على استخدام التقانات والمعلومات أمر بديهي له مبرراته ، وبخاصة فإن فشلنا وضعفنا في التعامل مع هذه التقانات انعكس سلباً على كثير من الأمور والمواقف في حياتنا وعلى شخصيتنا ونفسيتنا وسلوكيتنا ، بحيث وصفنا بأننا استهلاكيين غير مميزين لجهلنا ، وغير قادرين على التمييز لتواكلنا ، وهنا تصلح علينا استخدام عبارة طفيليين ، إذا لم ننهض من هذا السباق الذي يتحكم فينا ، ويجعلنا غير متيقظين ومنتبهين لما يحدث في هذا الكون من جهة ، وما يحاك لنا من جهة أخرى .

تعريف المجتمع الرقمي :

يذكر محمود عنبر وصف للمجتمع الرقمي بأنه :العالمي ، قد تفوق التغيرات التي حصلت عند اكتشاف القارة الأمريكية ، أو عند هبوط الإنسان على سطح القمر . إنه مجتمع افتراضي ليس له زمان أو مكان محدد ، ولا يتطلب الانضمام إليه الحصول على تأشيرة دخول ، لكنه يمتلك حواجز معرفية لا يمكن تجاوزها إلا بتغييرات فكرية ويمتلك فرصاً لا يمكن حصرها ، وتهديدات قد لا يمكن مواجهتها.

في المجتمع الرقمي يتم تصنيف العالم إلى مجتمعين : الأول مجتمع غني بالمعلومات ومجتمع فقير بالمعلومات . ونتيجة لذلك ، فإن هناك أمام الدول الفقيرة بالمعلومات فرصاً للانتقال إلى الدول الغنية بالمعلومات .

من هذا المنطلق ،يبدو أنه من المؤكد  خلال السنوات القادمة سيعاد تقسيم العالم وفق قدرة المجتمعات والأمم على الاستفادة من مواردها الفكرية ، وقدرتها على تنميتها .

أما عن كيفية الانخراط في المجتمع الرقمي والدخول في غياهبه والهجرة إلى أرضه وميدانه فإنه لا تعني الهجرة الى المجتمع الرقمي تحركا مكانيا بقدر ما تعني تغييراً فكرياً لا بد منه . والهجرة هذه تتطلب اعتماد مفاهيم فكرية جديدة والتخلي عن المفاهيم القديمة في الوقت نفسه .

وطالب الهجرة هذه الى المجتمع الرقمي عليه أن يتمتع ببعض المزايا التي تناسب هذا المجتمع ، وقد يتعلق بعضها بالتدرب على بعض الأدوات المعلوماتية الأساسية ، كمعالجات النصوص وبرامج التصفح وبرامج البريد الالكتروني وغيرها . وعليه فإن المهاجر إلى هذا المجتمع يحصل على المواطنة فيه ، وحق المواطنة في هذا المجتمع لا يكتسبه إلا من يحاول استخدام هذه الأدوات الرقمية في عمله ، وبالتالي يمكنه التفاعل مع هذا المجتمع ، وإن حقوق المواطنة لا تقتصر على فئة أو شريحة من المجتمع ، بل تمتد لتشمل كل من يرغب بالحصول على المواطنة .

إن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على المجتمعات ومؤسساتها ، من حيث التعامل مع المحتوى الرقمي وأثاره .

إن الفرد ، إذا ما أراد أن يزج نفسه في خضم المجتمع الرقمي ، عليه أن يهيئ نفسه للتصدي لكل المؤثرات التي يمكن ان تؤثر في سلوكه وعاداته وقيمه ، لأنه لم يعد رهينة تأثير وسط اجتماعي بسيط ، يستطيع بشكل سريع أن يلتمس خلفيات ونتائج هذا التأثير ، وأيضاً فإن المجتمع بنفس المنوال ، يجب أن تقوم مؤسساته التي تشكل بنيته الاجتماعية بقراءة سريعة للواقع الذي يحيط بها ، والمستجدات التي طرأت على هذا المحيط ، ومن ثم معرفة ما يجب أن تقوم به هذه المؤسسات للحفاظ على هويتها وبقاءها ، وخاصة المؤسسات التعليمية ، كونها الركن الأهم الذي يوجه جميع فعاليات المجتمع نحو تحقيق أهدافه ، وتامين حاجياته ، بأساليب وطرائق علمية مدروسة . إذا تجاه هذا الأمر ، لا بد لهذه المؤسسات التعليمية من الاستجابة لهذه المتغيرات ، وتلبية مناقشة حاجة السوق الاجتماعية من ما يطرح عليها من عروض وما يقدم لها من مغريات عبر الانترنت ، وكذلك فإنه باق محتماً على مؤسسات الاتصالات الاجتماعية ، من مراقبة نفسها ومراقبة ما يمر عبر قنواتها من منتجات أياً كانت لزبائنها ، كي تحمي نفسها والمجتمع ، من أي خرق من الخروقات التي قد تحدث شرخا ، يصعب فيما بعد رأيه .

المجتمع ، مؤسساته والمجتمع الرقمي :

لا يغيب عن بال الكثيرين ، الذين يتطلعون لما يجري في العالم ، إن استخدام الانترنت ، لم يكن إلى هذا الحد ، كما يراه البعض ايجابياً .

بل الأمر ذهب لما يخالف ذلك ، إذاً إن التعامل بالانترنت ولّد أمية جديدة يمكن أن نطلق عليها أمية المثقفين ، وذلك من خلال الأثر الذي تركه استخدام الانترنت في نفوس الكثيرين القادر على القيام بكل المهام ، وبخاصة الثقافية والعلمية التي تقع على عاتق الفرد ، مما حدا بهؤلاء التخلي عن صرف الوقت في التعلم والحصول على أساليب وطرائق التعلم ، طالما هناك من يقوم بهذه الوظيفة ، أو يؤدي هذه المهمة .

لا يختلف اثنان على أن عصر الانترنت ، قام بثورة ، وفجر قنبلة ذرية اجتماعية شديدة الخطورة إن لم يعرف كيف الوقاية من أثارها ، إلى جانب أنه فجر ثورة علمية تقنية ، يمكن أن تستغل نتائجها في صالح الأفراد ، والإنسانية ، على حد سواء .

إن كل ما ينبغي أن تقوم به مؤسسات المجتمع بمختلف مسمياتها هو الحفاظ على هوية أفرادها وقوميتها وعدم طمس هويتها ، ونسيان قضاياها المصيرية ، وتغريبها عن قيمها وتشويهها حتى لا يصبح المعروف منكراً ، والمنكر معروفاً .

إن الاندماج أو الولوج في المجتمع الرقمي بشكل سليم ، هو التعايش الصحيح مع كل صنوف المجتمع الإنساني ، أو القدرة على مجاراة هذه المجتمعات . وهذا لا يكون لو لم يكن هناك من جهوزية واستعداد نفسي للتعامل مع هذا المحتوى الرقمي ، وإبعاد شبح الأخطار التي يمكن أن تضربه ، أو رصدت لضربه .

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.